الشيخ السبحاني

263

رسائل ومقالات

العمل ، تعمل في هذا الماء المهين ، في تنميته وبناء هيكله ونفخ الروح فيه . وأمره في الثاني لا يزيد على الحرث وإلقاء الحبّ والبذر الذي هو من صنعه سبحانه ثمّ ينتهي دوره فلا محيص عن وجود قدرة تحميه تحت التراب والطين وتجعله سنبلًا أو سنابل فيها حبّات كثيرة . وأمّا الماء فليس للإنسان فيه أيّ دور لكنّه أصل الحياة وعنصرها ، لا تقوم إلّا به ، فمن الذي خلقه وأنزله من المزن وأسكنه في الأرض ، ومثله النار فليس له فيها شأن سوى أنّه يوقدها ، ولكن من الذي خلق وقودها وأنشأ شجرها الذي توقد . فقد عرض الذكر الحكيم هذه الأُمور لغاية الاهتداء بها إلى الحقيقة التي تنتهي إليها كافة الحقائق والتي ينحصر بها التأثير في هذه الظواهر الكونية ولأجل ذلك ختم الآيات بقوله : « فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ » * . فكأنّ عالم الكون عُمْلَة لها وجهان : صورة حسيّة لامعة تخدع البسطاء الذين يقفون عليها ولا يتجاوزون عنها إلى غيرها ، وصورة غيبية التي هي روحها وبها قوامها ، وهي التي خلقها واتقنها ، « صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ » . « 1 » الثاني : قال سبحانه : « أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ » . « 2 » فلو فسّرنا « الشيء » في الآية بالسبب والعلة فالجزء الأوّل من الآية يشير إلى برهان الإمكان الذي يقوم على لزوم سبب موجب

--> ( 1 ) . النمل : 88 . ( 2 ) . الطور : 35 - 36 .